ترامب والنزول من فوق الشجرة: بين حسابات القوة ومنطق التهدئة…بقلم: أحمد العالم

في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، كانت فيها المنطقة تقف على شفا مواجهة واسعة، جاء تراجع دونالد ترامب عن خيار ضرب محطات الطاقة في إيران ليطرح جملة من الأسئلة العميقة التي تتجاوز الحدث في ظاهره، وتلامس جوهر التحولات الجيوسياسية في المنطقة.
هل هو تراجع تكتيكي أم إعادة تموضع استراتيجي؟ وهل نحن أمام بداية مسار تفاوضي جديد، أم مجرد مناورة لالتقاط الأنفاس؟
بين منطق القوة وحدودها
لطالما تبنّت إدارة دونالد ترامب خطابًا يقوم على “الضغط الأقصى” تجاه إيران، مستخدمة أدوات العقوبات الاقتصادية والتهديد العسكري لفرض تنازلات استراتيجية.
غير أن التراجع المفاجئ عن الضربة يكشف، على الأرجح، حدود هذا النهج عندما يقترب من حافة الانفجار الشامل.
فالخيار العسكري، رغم حضوره الدائم في الخطاب السياسي، يظل محفوفًا بتكاليف باهظة، ليس فقط على مستوى الأمن الإقليمي، بل أيضًا على المصالح الأمريكية ذاتها، خاصة في ظل تشابك الجبهات وتعدد الفاعلين غير الدوليين.
رسائل القوة… دون حرب
يمكن قراءة هذا التراجع في إطار ما يُعرف بـ”إدارة الحافة”، حيث يتم التصعيد إلى أقصى حد ممكن دون الانزلاق إلى المواجهة المباشرة.
فقد تكون واشنطن سعت إلى اختبار ردود الفعل الإيرانية، وإيصال رسائل ردع، قبل أن تختار التراجع لتفادي تداعيات لا يمكن السيطرة عليها.
في المقابل، حرصت إيران على إظهار جاهزية عسكرية عالية، والتلويح بخيارات رد واسعة، ما ساهم في رفع كلفة أي قرار عسكري محتمل.
هل بدأت المفاوضات فعلاً؟
رغم النفي العلني من الطرفين، فإن التجارب السابقة بين واشنطن وطهران تؤكد أن القنوات الخلفية لا تغيب حتى في أشد لحظات التوتر.
ومن غير المستبعد أن يكون التراجع الأمريكي جزءًا من تمهيد غير معلن لمسار تفاوضي، يعيد ترتيب الأولويات ويبحث عن تسويات مرحلية.
فالتاريخ القريب، خاصة في ملفات النووي والعقوبات، يُظهر أن التصعيد غالبًا ما يكون مقدمة للجلوس إلى طاولة الحوار، وليس بديلاً عنه.
قلق إسرائيلي متصاعد
في خضم هذا المشهد، يبدو إسرائيل الطرف الأكثر توجسًا من أي مسار تهدئة محتمل. فبالنسبة لها، يشكل أي تقارب أمريكي–إيراني تهديدًا مباشرًا لعقيدتها الأمنية، التي تقوم على احتواء النفوذ الإيراني ومنع تعاظمه في المنطقة.
وتخشى تل أبيب أن تؤدي أي تسوية إلى تخفيف الضغوط عن إيران، ما يمنحها هامشًا أوسع لتعزيز حضورها الإقليمي، سواء عبر حلفائها أو من خلال تطوير قدراتها العسكرية.
إعادة رسم قواعد اللعبة
في المحصلة، لا يبدو التراجع الأمريكي مجرد خطوة عابرة، بل قد يكون مؤشرًا على تحول أعمق في طريقة إدارة الصراع. فبدلًا من الحسم العسكري، تتجه القوى الكبرى نحو مزيج من الردع والتفاوض، في محاولة لإعادة صياغة التوازنات دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
ويبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام بداية مرحلة جديدة من “التفاهم البارد” بين واشنطن وطهران، أم أن ما جرى لا يعدو كونه استراحة قصيرة قبل جولة تصعيد جديدة؟



