المحظرة الموريتانية بين حملات التشويه وحفظ الهوية …بقلم / أحمد العالم

 اليوم تداول بعض خصوم المحظرة وخصوم تدريس القرآن الكريم مقطعًا مصورًا على صفحات التواصل الاجتماعي، وطالبوا – بحسب تعبيرهم – بإغلاق المحاظر ووقف رسالتها التربوية والتعليمية.

غير أن هؤلاء لم يتحروا حقيقة الأمر، إذ إن المقطع المتداول ليس مصورًا في موريتانيا أصلًا، وإنما في دولة أخرى، مما يكشف حجم التسرع في إصدار الأحكام وبناء المواقف على معلومات غير دقيقة.

لقد ظلت المحظرة الموريتانية عبر قرون حصنًا منيعًا لحفظ القرآن الكريم والعلوم الشرعية واللغة العربية، وأسهمت في تخريج العلماء والقضاة والدعاة الذين حملوا رسالة العلم والأخلاق إلى مختلف الآفاق. ولم تكن المحظرة مجرد مؤسسة تعليمية، بل كانت مدرسة متكاملة لبناء الشخصية وصناعة الرجال وغرس قيم الانضباط والجد والاجتهاد.

وإن من الخطأ الكبير أن تُختزل هذه المؤسسة العريقة في مقطع مجتزأ أو حادثة فردية، أو أن تُستغل مثل هذه المقاطع للطعن في تاريخ المحظرة ورسالتها الحضارية.

فالمحظرة جزء أصيل من هوية المجتمع الموريتاني وتراثه العلمي، ولا يمكن الحديث عن تاريخ العلم في هذه البلاد دون الوقوف عند دورها الريادي في حفظ الدين واللغة والثقافة.

وقد صدق الإمام مالك رحمه الله حين قال: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها»، فالأمم لا تنهض إلا بالعلم والتربية والانضباط وحسن التوجيه.

وقد عُرف عن الأجيال السابقة صبرها على مشقة طلب العلم وتحملها لألوان من الجهد والتعب في سبيل التحصيل، حتى أثمرت علماء أفذاذًا وقادةً ومصلحين.

وفي هذا المعنى قال العلامة الشنقيطي رحمه الله:

لاتندمن على الصبيان إن ضُربوا ::: فالضرب يفنى ويبقى العلم والأدبُ
الضرب ينفعهم والعلم يرفعهم ::: لولا المخافة ما خطّوا وما كتبوا

ومع ذلك فإن المقصد الأسمى يبقى هو التربية والتعليم وبناء الإنسان، مع مراعاة الحكمة والرفق وتحقيق المصلحة التربوية التي تحفظ كرامة المتعلم وتعينه على تحصيل العلم والخلق الحسن.

إن المحظرة ستظل بإذن الله منارة للعلم وحفظ القرآن، ورمزًا من رموز الهوية الإسلامية والثقافية في موريتانيا، مهما تعرضت لحملات التشويه أو محاولات الطمس والتغريب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى