“الدعم الاجتماعي بين نبل المقصد وضرورة ترشيد وسائل التنفيذ” / بقلم : أحمد العالم

لا يختلف اثنان على أهمية البرامج الاجتماعية الموجهة للفئات الهشة، ولا على الحاجة إلى مؤازرة الأسر ذات الدخل المحدود في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. ومن هذا المنطلق جاءت عملية “عون” التي أطلقها رئيس الجمهورية بهدف دعم مئات الآلاف من الأسر عبر تحويلات نقدية ومساعدات غذائية.

غير أن أي سياسة اجتماعية، مهما كانت أهدافها نبيلة، تحتاج إلى تقييم مستمر لآليات تنفيذها ومدى انسجامها مع مبدأ الترشيد وحسن استخدام المال العام.

فالمعطيات المتداولة تشير إلى أن المستفيدين من العملية ليسوا على مستوى واحد من الاستفادة؛ إذ ستحصل بعض الأسر على التحويلات النقدية والسلال الغذائية معاً، بينما ستستفيد أسر أخرى من التحويلات النقدية فقط. وهذه مسألة يمكن تفهمها في إطار معايير الاستهداف المعتمدة.

لكن الإشكال الذي يثير النقاش يتعلق بطريقة إيصال هذه المساعدات. فمن جهة، استفادت أسر عديدة في نواكشوط وبعض عواصم الولايات من تحويل مستحقاتها عبر التطبيقات المالية ووسائل الدفع الإلكتروني، وهو خيار يبدو أكثر سرعة وأقل كلفة وأكثر انسجاماً مع متطلبات العصر. ومن جهة أخرى، ستتنقل فرق ميدانية إلى عشرات الآلاف من الأسر في مختلف المناطق لإيصال مبالغ لا تتجاوز في بعض الحالات 15 ألف أوقية قديمة.

وهنا يبرز التساؤل المشروع: كم ستكلف عملية التوصيل نفسها؟ فالمسألة لا تتعلق بالمبلغ الموجه للمستفيد فقط، بل بما يرافقه من مصاريف النقل والوقود والتعويضات والوسائل اللوجستية.

فحين تتحرك سيارة بمعداتها وطاقمها إلى قرية أو تجمع سكاني بعيد لتسليم مبلغ محدود، يصبح من الطبيعي أن يطرح المواطن سؤال الجدوى الاقتصادية، خاصة في الأماكن التي تتوفر فيها بدائل إلكترونية أثبتت نجاعتها في المدن وبعض عواصم الولايات.

والأمر نفسه ينطبق على توزيع السلال الغذائية، حيث تتطلب عمليات الشحن والتخزين والنقل والتوزيع موارد مالية وبشرية معتبرة. ولا أحد يعترض على وصول الغذاء إلى مستحقيه، لكن النقاش يدور حول أفضل السبل لتحقيق ذلك بأقل تكلفة ممكنة وأكبر مردودية اجتماعية.

إن الترشيد لا يعني تقليص الدعم أو حرمان المحتاجين منه، بل يعني البحث عن الآليات التي تضمن وصول أكبر قدر من الموارد إلى المستفيد النهائي بدل استهلاك جزء معتبر منها في النفقات التشغيلية. فنجاح أي برنامج اجتماعي يقاس بما يصل إلى المواطن، لا بما يُصرف على الطريق إليه.

وفي زمن التحول الرقمي، تبدو الحاجة ملحة إلى توسيع الاعتماد على وسائل الدفع الإلكتروني كلما كانت متاحة، مع تخصيص التدخلات الميدانية للمناطق التي تفتقر فعلاً إلى هذه الوسائل. فذلك أدعى إلى الكفاءة وأقرب إلى روح الترشيد التي تُرفع شعاراً في إدارة الشأن العام.

وقديماً قيل: “حسن التدبير نصف المعيشة”، لأن الموارد مهما عظمت قد تستنزفها الإدارة غير الرشيدة.

ويقول الشاعر:
الرأيُ قبل شجاعةِ الشجعانِ
هو أولٌ وهي المحلُّ الثاني
فإذا اجتمعا لنفسٍ مرةً
بلغت من العلياءِ كلَّ مكانِ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى